رؤى ثقافية د. هيفاء بيطار mobile spy number press spy devices for cheating spouses site spy phone app custom install is there spy cell phone iphone app photo spy spy tracker for iphone cell spy locator cell spy iphone gps tracking phones press

رؤى ثقافية د. هيفاء بيطار


ثورة أخلاقية

تكفي نظرة عابرة على كل محلات الألعاب في عالمنا العربي لنرى أنه لا توجد آلة قتال إلا واستنسخوا منها ألعاباً، من أنواع البواريد إلى المسدسات بأحجامها وأشكالها المتنوعة المُطابقة تماماً للسلاح القاتل الأصلي، إلى السيوف وإلى الدبابات، وعلب الرصاص الخ!.. ولا أنسى صراخ طفل لا يتجاوز السادسة من عمره في محل الألعاب صرخ مطالباً والده بأنه يريد البارودة مع الأصفاد (اسمها العامي كلبشات) ولا يريد البارودة وحدها.

وحين طلبت من بائع الألعاب أن ينصحني بلعبة لطفل في الثالثة من عمره، أبدى حماسة وقال لي هذه الدمية وصلتني حديثاً وعليها طلب كبير، ووجدت شيئاً يتحرك على الأرض ويطلق شرراً، للوهلة الأولى اعتقدت أنها سلحفاة من نوع خاص فإذا هي دبابة!!.. شكرته على اقتراحه وقلت له بأنني لا أريد أن أهدي طفلاً في الثالثة من عمره دبابة.. للوهلة الأولى يبدو هذا الموضوع غير مهم، فكلها دمى للأطفال. لكن ما الغاية أن تتماشى هذه الدمى وتُطرح في الأسواق متماشية مع أحدث أنواع الأسلحة، بل ثمة بواريد ومسدسات من البلاستيك لا تُميزها عن البواريد والمسدسات الحقيقية، أي نوع من اللعب سيلعب طفل في السادسة لا يُصر على البارودة فقط بل على الأصفاد!.. أية أيد يريد تقييدها بالأصفاد؟.. ومن يريد أن يقتل بالبندقية، ولست الوحيدة التي لاحظت كيف أن أطفال سوريا صاروا يلعبون لعبة القتال بين الجيش الحر وجيش النظام، ويرمي كل طرف الآخر بالرصاص الوهمي ويرديه قتيلاً وينطرح الطرف المهزوم والمقتول أرضاً يمثل الموت.. لكن هذا اللعب سوف يتحول ببساطة إلى حقيقة بعد سنوات قليلة، لأن ترسيخ ثقافة العنف يبدأ منذ الطفولة، ولا يمكنني أن أفهم أبداً أن غاية كل تلك الترسانة الحربية من الدمى مجرد اللعب، بل هي تحفيز دائم لدماغ الطفل الأشبه بالعجينة يُشكلها الكبار كيفما يريدون، لتقبل العنف والإعجاب به، بل والإدمان عليه، ومنذ أيام شهدت حالات مُخيفة من الأمراض النفسية عند الأطفال، أمراض تتظاهر أيضاً بآلام فظيعة في البطن وإقياءات، وتبين بعد الفحص الطبي الجسدي والنفسي أن هؤلاء الأطفال مدمنون على أفلام العنف وثمة فضائيات متخصصة على مدار الساعة بعرض أفلام عن العنف بأفظع أشكاله، وبما يفوق خيال الشيطان نفسه على ابتكار كل هذا التنوع من الشر والعنف.. ثقافة العنف صرنا نلحظها في الكلام، فأقل شجار ينفجر الطفل بكلام عنيف وعبارات أقلها استعمال كلمة قتل مراراً، صار القتل سهلاً ويومياً كما لو أنه فعالية يومية كالأكل والشرب والمذاكرة، صار القتل لعباً، بل إن نشرات الأخبار تبدأ غالباً بـ قُتل كذا شخص، يا لروعة الفعل المبني للمجهول، ثمة آلة قتل تعمل دون توقف في عالمنا العربي، ثمة ترسيخ مُمنهج لثقافة العنف كما لو أننا نُعد أطفال اليوم مُقاتلين الغد، ويكون مستقبلهم ساحة الوغى وحلمهم رصاصة يطلقونها على صدر العدو أو يتلقون مثيلها ويموتون والزغاريد تلاحقهم لأن جنات الخلد بانتظارهم.. ويحضرني هنا كتاب قيم هو –حصار الثقافة بين القنوات الفضائية والدعوات الأصولية– لمصطفى حجازي ويبين فيه كيف أن العنف المتكرر ومشاهد العنف تؤثر فينا بطريقة غير واعية، وكيف يحصل تراكم عنفي في نفوسنا، والأطفال أكثر عرضة بكثير لهذا التراكم العنفي من الكبار، ونصبح عنيفين وردود فعلنا وتعاملنا مع بعضنا البعض موسوماً بالعنف، عقل شيطاني وشرير ذلك الذي يصمم ألعاباً للأطفال تتماشى مع كل أدوات القتل وتضاهيها في إتقان الشكل، عقل يريد أن يُدمن الطفل على العنف وأن يكون جاهزاً لاستخدامه ما أن يصبح راشداً.. وطبعاً لا تخفى عنا ألعاب الفيديو العنيفة بشكل يفوق الوصف حتى إنني حضرت مع طفل كنت أجاوره في مقعدي في الطائرة فيلم كرتون يصور كيف أن أحداً ما يقتلع حناجر الآخرين!.. وكان الطفل يتابع الفيلم كأنه مُخدر أو منوماً مغناطيسياً.. أمام تلك الظاهرة الخطيرة جداً أتمنى من الجهات الرسمية المعنية بحقوق الطفل خاصة أن تمنع استيراد هكذا ألعاب ترسخ ثقافة العنف وأن تُغلق القنوات الفضائية المتخصصة بأفلام العنف للعنف، الأطفال هم الثروة الحقيقية في حياتنا وهم المستقبل، ولن يتم إصلاح هذا العالم المتخبط بالأزمات والمشكلات إلا بثورة أخلاقية، تكون حجر الأساس لكل الثورات بعدها، كما تمنى أمين معلوف في كتابه اختلال العالم إذ بين أن هذا العالم المُختل لن تُحل مشكلاته بخطط اقتصادية ولا بطروحات سياسية، بل بثورة أخلاقية حقيقية.. أتمنى أن تكون الهدية التي أقدمها لطفل في الثالثة سلحفاة تمشي وتضيء ضوءاً متقطعاً وليس دبابة تطلق شرراً من نار.

Rate this item
(0 votes)